خضير جعفر

304

الشيخ الطوسي مفسرا

الناس ، ليضطهد غيرهم ، كما هو الحال في العهد السلجوقي ، وتأثّر الشيخ الطوسي بهذه الأجواء المتفاوتة ، فنراه تارة يحظى باحترام السلطة ، ويعطى له كرسيّ الكلام ، كما حدث في عهد الخليفة العباسي القائم بأمر اللّه ، بينما تضيق تارة أخرى في أيّام الحكم السلجوقي ، ليهرب من بغداد إلى مدينة النجف الأشرف بعيدا عن مسرح السياسة والفتن ، بعد أن احترقت داره وكتبه والكرسيّ الذي كان يجلس عليه . 5 . شهد عصر الشيخ الطوسي حركة علميّة نشيطة ساهمت فيها المدارس الإسلاميّة المختلفة المذاهب والاتّجاهات ، ممّا أفرز ظاهرة الحوار والجدل والمناظرة التي كثيرا ما كان الشيخ الطوسي يدلي بدلوه فيها ، فيناقش أصحاب المذاهب الأخرى فيما يقولون من آراء ، كما ويتصدّى للدفاع عن عقيدته الشيعيّة بكلّ ما يملك من أدلّة وحجج وبراهين ، الأمر الذي صار معه الشيخ الطوسي علما من أعلام التشيّع ، حيث يشار إليه بالبنان ، إذ ليس في علماء عصره إلّا من يرى له حقّ التقدّم ، وقد يجد الباحث آثار النزعة الجدليّة واضحة في التبيان ، حيث يتلمّس القدرة الفائقة التي يتحلّى بها الطوسي في محاجّة الخصم وإسقاط ما في يده ، فلا يملك بعدها غير الإذعان والإقرار بما عند مفسّرنا من رأي مدعوم ، بالدليل والبرهان . 6 . امتاز الشيخ الطوسي بروح علميّة نزيهة وبموضوعيّة عالية ، حيث يشهد له بذلك تفسيره التبيان والذي كان لا يضيق ذرعا بآراء غيره من المفسّرين ، وكم شهدناه يتّفق مع صاحب الرأي السليم بغضّ النظر عن انتمائه المذهبي واتجاهه العقيدي ، كما وجدناه يعتمد في نقله الرواية والأثر على من سبقه من العلماء والمفسّرين والرواة الذين تيقّن بصحّة ما يروونه ، وإن لم يكونوا من الشيعة الإماميّة ، كذلك لم يقتصر في أخذه الرواية على النبي صلّى اللّه عليه وآله والأئمّة من أهل البيت عليهم السّلام ، بل كثيرا ما كان يستشهد بآراء الصحابة والتابعين الذين يطمئن لمنقولاتهم . 7 . سلك المفسّر في تفسيره منهجا مزدوجا بين التفسير بالأثر والتفسير بالرأي وفق أسس علميّة رصينة ، إذ لا يأخذ من المنقولات إلّا ما يطمئنّ لصحّتها مما تعضده الأدلة كالإجماع أو التواتر رافضا لروايات الآحاد وأخبارهم إذا لم تسعفهم القرائن فيما يروون .